جريمة ميت … بقلم الأستاذ فهمى هويدى

كتبهاهشام المصرى ، في 28 يوليو 2007 الساعة: 19:56 م

 الكاتب الأستاذ فهمى هويدى أهدتنا مباحث أمن الدولة فكرة مبتكرة لفيلم كوميدي يخلصنا مؤقتاً من أفلام الكوميديا الهابطة التي تعرض هذه الأيام في دور السينما , خلاصة الفكرة أن شابا متديناً اسمه في الأصل حسام الدين طه تغيان كان يدرس الطب البيطري , توفاه الله , وتبين بعد الوفاة أنه كتب وصيته وإخوته يوصيهم بتقوى الله وطاعته وإتباع تعاليم النبي "صلي الله عليه وسلم" وخص شقيقه أحمد علي أن يتقرب إلي الله بالجهاد في سبيله , وحين عثر الأب علي الوصية فإن الأسرة تداولتها واعتبرتها من قبيل النصائح التي كان حسام يسديها لأهله بين الحين والأخر وبعد أن أصبح مضمونها موضوعاً للحديث في البيت ولأن الحيطان لها آذان , فإن الخبر وصل إلي علم رجال أمن الدولة الذين استنفروا للتحقيق في الأمر وتقصي جذوره .

وكان من الطبيعي أن يستجوب الشخص الأول في الموضوع الذي كتب الرسالة إلا أن وفاته حالت دون سماع أقواله ( لاحظ أن البطل مات قبل أن يبدأ الفيلم ) ولكن ذلك لم يثن رجال المباحث عن عزمهم , إذ أن ذكر كلمة "الجهاد" في الوصية كان دالا علي أن الأمر خطير , لذلك فإنهم شنوا غارة علي بيت الأسرة وألقوا القبض علي الأب وعلي ابنه أحمد الذي خصه شقيقه حسام في وصيته بالحرص علي الجهاد , وشملت الغارة شباب عائلة تغيان , وآخرين علي صلة بهم في محافظتي بني سويف والقليوبية , وإذ بلغ عدد الذين اعتقلوا بسبب الوصية 35 شخصاً , فإن المباحث أدخلتهم في قضية ووجهت إليهم نيابة أمن الدولة العليا تهمة تكوين تنظيم جهادي علي اتصال بتنظيم القاعدة عبر الإنترنت هدفه قلب نظام الحكم بعد تكفير الحاكم .

 

هذه التهم أصبحت محور التحقيقات التي أجرتها النيابة , ولأنه لم يكن هناك من دليل مادي في القضية غير وصية الشاب المتوفى , فإن تقارير المباحث قامت باللازم في توفير أدلة وقرائن أخري , من قبيل الإشارة إلي أن بعض المتهمين اعتادوا علي دخول المواقع الجهادية علي شبكة الإنترنت (جريمة أخري) وتلقي تدريبات علي كيفية التخفي والإفلات من الرصد الأمني (جريمة أخطر) .

 

في حدود التفاصيل التي نشرت فإن ابن عم المتوفى "وليد هاشم تغيان" . حين أراد أن يثبت في أقواله أنه ليس متطرفا ولا علاقة له بالإرهاب أو تنظيم القاعدة , فإنه قال لوكيل النيابة إنه لا يؤدي الصلاة رغم أنه طالب بكلية الشريعة , وحين طمأنه وكيل النيابة إلي أن أداء الصلاة عمل مشروع لا يجرمه القانون "حتي الآن علي الأقل" فإن الشاب قلل من حذره و"اعترف" لوكيل النيابة بأنه يصلي فعلاً لكنه غير منتظم في صلواته , وبقيت التهمة الوحيدة التي لم يستطع إنكارها وهي أنه كان مضطرا للتعرف علي الشاب أحمد شقيق المتوفى الذي أصبح متهماً رئيسياً في القضية , وهي جريمة لم يكن له فيها يد لأنه ابن عمه .

 

هذا الأسبوع أطلقت مباحث أمن الدولة سراح الأب حنفي طه تغيان "63 سنة" بعد اعتقال دام ثلاثة أشهر , منذ اكتشفت أمر الوصية , بعدما ثبت أنه لا علاقة له بالتهم الموجهة لبقية المجموعة وأن التهمة الوحيدة الثابتة بحقه أنه أنجب المرحوم .

 

ولا تزال التحقيقات مستمرة منذ ذلك الحين , ومن خبراتنا نستطيع أن نتوقع كل الاحتمالات في نهاية الفيلم , من الحصول علي اعتراف – بالوسائل التي لا شك في أنك تعرفها – بالانخراط في تنظيم القاعدة والتآمر لقلب نظام الحكم إلي إعلان براءة المتهمين والإفراج عنهم لعدم توفر الأدلة .

 

ولأنني من خارج الوسط الفني , ولا أفهم شيئاً في كتابة السيناريو أو الإخراج فلا أعرف كيف يمكن الإفادة في الفيلم من الفكرة السادة في العالم المتحضر التي بمقتضاها يتم التحري أولا وجمع الأدلة , وبعد ذلك يلقي القبض علي من ترجع الأدلة إدانتهم , في حين أنهم عندنا يحتجزون أكبر عدد من الأبرياء لأطول مدة ممكنة أولاً , أملاً في العثور علي المتهمين في وقت لاحق وقد طبقت بريطانيا النموذج مؤخراً , حين جرت محاولة تفجير مطار جلاسجو في أيرلندا , واكتشفت سيارتان أعدتا للتفجير في لندن , ومع ذلك لم يلق القبض إلا علي ستة أشخاص فقط , بالمناسبة فإن وفداً رفيعاً من المسئولين عن طبخ قانون الإرهاب زار بريطانيا قبل أيام للإفادة من خبرتها في الموضوع وأنا متأكد أنهم لم يتوقفوا لحظة أمام ذلك التقليد الأمني المتحضر .

 

لي مطلب أخير وحيد في الفيلم , هو أن تحفظ حقوق مباحث أمن الدولة في فكرته

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر